محمد أبو زهرة
3486
زهرة التفاسير
على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم ، فما أبعد هؤلاء من قول اللّه عزّ وجل : . . . لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً . . . ( 83 ) [ القصص ] » ا ه . فما أشبه الليلة بالبارحة ولا حول ولا قوة إلا باللّه . هذا خط العلم في الرسالة المحمدية ، والجهاد ماض في طريقه إلى يوم القيامة ، ولذا جاء بعد آية التفقه في الدين آية للجهاد فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) . نداء إلى الذين آمنوا يشير بهذا النداء إلى أن الجهاد في سبيل اللّه تعالى ثمرة الإيمان ، والتقاعس عن القتال يكون من ضعف الإيمان ، أو مرض القلوب ، وأمر اللّه تعالى بقتال الذين يلون أرض الإسلام سواء أكان المؤمنون بالمدينة أم أقاموا في أرض أخرى ، فالأمر أمر عام بقتال الذين يصاقبونهم ، لتكون العلاقة بينهم حربا واضحة ، أو عهدا وفيا ، أما أن تكون العلاقة علاقة من يتربص بالآخر ، وينتهز الفرصة ، قاتلوا الذين يلونكم ، ثم الذين يلونهم إن لم يرضوا بالعهد ، وهكذا كما ابتدأ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فأنذر عشيرته الأقربين ثم صدع بأمر ربه ، ولما هاجر قاتل قريشا ، ثم قاتل العرب أجمعين لما نزعوا عن قوس واحدة ، قاتل المشركين كافة كما يقاتلونه كافة ، ولما ابتدأ يقاتل خارج الجزيرة العربية ابتدأ بالرومان ؛ لأن واليهم قتل من أسلم من أهله ، ولأنهم أقرب إلى المدينة من الفرس ، ولأنهم كانوا يمالئون اليهود ، ونصارى العرب ، ولأنهم أهل كتاب ، ولأنهم في أرضهم بيت المقدس ، مسرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولأنه يجب أن يتحرر من أهل الكفر ، كما تحرر البيت الحرام من الشرك ، ولأنهم المسلمون وهم ورثة الأنبياء أجمعين ، والقوامون على الرسالة الإلهية من بعدهم . وقال تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً والأمر هنا في معنى وأغلظوا عليهم ، ولكن قوله تعالى : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أبلغ